خافيير بلاس يكتب: هل تتحكم الصين في مستقبل أسعار النفط؟
“إذا استمر تعافي تدفقات النفط عبر هرمز، فيُبرجح أن تتجه سوق النفط إلى فائض ملموس في المعروض العام المقبل”
الصين أعطت.. والصين أخذت.
لقد تمكنت بكين من الجمع بين الأمرين في استجابتها لصدمة النفط الناجمة عن اضطرابات مضيق هرمز.
فمن خلال خفض وارداتها من النفط الخام بشكل كبير، أعطت الأسواق العالمية متنفساً، لتصبح “اليد الخفية” التي حالت دون قفز الأسعار إلى 200 دولار للبرميل.
لكن ماذا لو أصبح الجزء الأكبر من هذا التراجع في الطلب دائماً، وليس مؤقتاً؟
رغم توقف الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران مؤقتاً، لم تعد الصين إلى شراء النفط بالكميات التي كانت تستوردها سابقاً.
وفي حين يرى كثيرون أن المسألة تتعلق بموعد استئناف هذه المشتريات، لا بما إذا كانت ستُستأنف أصلاً، فأنا لست واثقاً من ذلك.
الصين تمسك بمفتاح أسعار النفط
لكن ما أنا على يقين منه، هو أن ما ستفعله بكين بعد ذلك قد يحدد أسعار النفط لسنوات مقبلة.
فإذا عادت إلى شراء الخام بشهية مفتوحة، سترتفع على الأرجح الأسعار مجدداً لتقترب من 80 دولاراً للبرميل.
وإذا لم تفعل، قد يتحول فائض المعروض المحدود الذي تشهده السوق حالياً إلى واقع هيكلي جديد، يُبقي الأسعار منخفضة خلال ما تبقى من عامي 2026 و2027، ربما ضمن نطاق يتراوح بين 60 و65 دولاراً للبرميل.
ولا تقتصر تداعيات هذا السيناريو على متداولي الطاقة، بل تمتد من “وول ستريت” إلى المستهلك العادي.
فكلما طالت فترة إحجام الصين عن شراء كميات كبيرة من النفط، زادت الضغوط النزولية على التضخم، وارتفعت، في حال ثبات العوامل الأخرى، احتمالات أن يُقدم مجلس الاحتياطي الفيدرالي وغيره من البنوك المركزية على خفض أسعار الفائدة.
كما سيؤدي استمرار انخفاض الأسعار إلى تقليص إيرادات كبار منتجي تحالف “أوبك+”، مثل السعودية وروسيا، بمليارات الدولارات سنوياً.
بطبيعة الحال، فإن فك شيفرة قطاع الطاقة الصيني الضخم الموجّه بقرارات حكومية ليس بالأمر السهل.
ولهذا، يعتمد المتداولون على وسائل بديلة لسد نقص البيانات الرسمية، فيتتبعون حركة ناقلات النفط عند تحميلها وتفريغها في الموانئ الصينية، ويرصدون مستويات المخزونات عبر صور الأقمار الاصطناعية، ويستقون الإشارات من مصادرهم على الأرض.
لغز تراجع واردات الصين النفطية
يرسم كلّ ذلك صورة لاقتصاد يبدو وكأنه يعيش على ما تبقى من مخزونه النفطي.
وتقدّر شركة “فورتيكسا”، المتخصصة في بيانات وتحليلات أسواق السلع، أن واردات الصين المنقولة بحراً من النفط الخام، هبطت الشهر الماضي إلى أدنى مستوى لها في عشر سنوات، لتبلغ 5.9 مليون برميل يومياً، أي أقل بنحو 50% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
وتشير البيانات الأولية لشهر يوليو إلى تعافٍ ملحوظ في الواردات، إلا أن حجم الشحنات المنقولة بحراً هذا الشهر يُرجح أن يظل أقل بنحو 25% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
وينطبق ذلك على أغسطس أيضاً، إذ تُظهر المؤشرات الأولية أن واردات الصين تتجه للاستقرار عند مستوى يتراوح بين 9 و10 ملايين برميل يومياً، وهو أقل بكثير من المعدل المعتاد قبل حرب إيران، الذي تراوح بين 11.5 و12 مليون برميل يومياً.
تصطدم محاولة استشراف المسار المقبل بعائق فهم ما يحدث الآن.
فهناك إجماع في السوق على أن الصين تستورد نفطاً أقل بكثير من السابق، إلا أن أسباب هذا التراجع لا تزال موضع نقاش محتدم.
ويعود ذلك، في جانب منه، إلى أن البيانات المتاحة لا تقدم صورة حاسمة، فضلاً عن أن بكين لا تكشف عن معلومات رسمية بشأن حجم مخزوناتها النفطية.
يرى بعض المراقبين أن بكين لجأت بهدوء إلى السحب من مخزوناتها من النفط الخام والمنتجات النفطية المكررة.
فيما يعتقد آخرون أن خفض الواردات يعود في المقام الأول إلى تمكنها من تقليص الطلب، وإعادة توزيع نشاط المصافي، ولا سيما في قطاع البتروكيماويات، فضلاً عن تقليص وتيرة تكوين المخزونات مقارنة بالسنوات الماضية.
الصين تجني ثمار تحولها في الطاقة
ربما تقع الحقيقة في مكان ما بين هذين التفسيرين.
ويبدو أن المسؤولين الصينيين أنفسهم فوجئوا بمحدودية الأثر الاقتصادي للحرب الأمريكية-الإيرانية، رغم الانخفاض الحاد في واردات النفط.
وفي بكين، يمكن رصد أجواء الارتياح، إذ يُنظر إلى التحول نحو الشاحنات والسيارات الكهربائية على أنه بدأ يؤتي ثماره، كما أن إنشاء صناعة لتحويل الفحم إلى مواد كيميائية أثبت جدواه.
أصبح واضحاً أن الصين استوردت خلال عامي 2024 و2025 والأشهر الأولى من العام الحالي، كميات من النفط فاقت احتياجاتها الفعلية بكثير، إذ يُرجح أن ما يصل إلى 1.5 مليون برميل يومياً كان يُضخ مباشرة إلى المخزونات.
قد لا يبدو هذا الرقم ضخماً، لكنه يعادل الاستهلاك اليومي لفرنسا مثلاً، وربما كان مسؤولاً عن رفع أسعار النفط بما يتراوح بين 10 و20 دولاراً للبرميل، إن لم يكن أكثر.
الصين لن تتعجل في إعادة بناء مخزوناتها
يستند المتداولون الذين يراهنون على ارتفاع أسعار النفط أو بقائها عند مستويات مرتفعة، إلى فرضية أن الصين ستعود سريعاً إلى نهجها السابق في تكوين المخزونات.
لكنني أستبعد أن تبادر بكين إلى إعادة ملء احتياطياتها ما لم تتراجع الأسعار أكثر.
ففي السابق، كانت تزيد مشترياتها من الخام عندما تسجل السوق تخمة واضحة في المعروض، مستغلة هبوط سعر خام “برنت” إلى نطاق يتراوح بين 60 و65 دولاراً للبرميل.
أما اليوم، ومع تداول “برنت” فوق مستوى 70 دولاراً للبرميل، فلا يبدو أن لدى بكين حافزاً كافياً لإعادة بناء مخزوناتها.
والأهم هو أن الوقت يصب في مصلحة الصين.
فإذا استمر تعافي تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، فمن المرجح أن تتجه سوق النفط إلى فائض ملموس في المعروض خلال العام المقبل.
وتشير أحاديثي مع العاملين في القطاع إلى أن بكين قد تعود عندها إلى شراء النفط على نطاق واسع، لتؤدي مجدداً دور القوة المحافظة على الاستقرار التي تضع حداً أدنى للأسعار وتحول دون مزيد من الهبوط.
لذلك، تبدو المراهنة على عودة أسعار النفط سريعاً إلى 100 دولار للبرميل متهورة بقدر الرهان على هبوطها إلى 50 دولاراً للبرميل العام المقبل.
فكلا السيناريوهين المتطرفين مرجح أن يثبت خطؤه إذا واصلت الصين التصرف بالنهج العقلاني الذي اتبعته خلال الأشهر الأخيرة.



