الدواء في مواجهة الصدام بين الطموحات التوسعية و”فجوة الأجل” بسبب تباطؤ دورة التحول النقدي
القطاع المصرفي لا يتحفظ في منح الائتمان بل يعكس التزاماً صارماً بقواعد إدارة المخاطر

يواجه قطاعا الدواء والرعاية الصحية في مصر تحديات هيكلية معقدة تبرز بوضوح في الصدام بين الطموحات التوسعية لتوطين الصناعة وتقليل فاتورة الاستيراد، وبين السياسات الائتمانية والتمويلية المتاحة في السوق. وتتمركز جذور هذه الأزمة فيما يُعرف بـ “فجوة الأجل”، حيث تعاني الصناعات الطبية والدوائية من تباطؤ شديد في دورة التحول النقدي التي قد تمتد إلى نحو 300 يوم؛ بدءاً من استيراد الخامات الأولية والإفراج الجمركي عنها، مروراً بمراحل التصنيع والرقابة، وصولاً إلى فترات التحصيل الطويلة من الموزعين والصيدليات. وأمام هذا البطء التشغيلي والاحتياجات التمويلية الضخمة التي تقدر بعشرات المليارات، تضطر العديد من الشركات إلى الاعتماد على تسهيلات ائتمانية قصيرة الأجل لتمويل أصول وتوسعات رأسمالية طويلة الأجل كشراء الآلات وخطوط الإنتاج، وهو ما يخلق خللاً استراتيجياً يفرض ضغوطاً خانقة على السيولة النقدية للشركات ويهدد استدامة عملياتها.
ويزيد من تعقيد هذا المشهد الارتفاع الكبير في تكلفة الأموال، حيث تتراوح أسعار الفائدة المصرفية على قروض الشركات بين 20% و23%. وتمثل هذه التكلفة المرتفعة عبئاً ثقيلاً يلتهم هوامش الأرباح، خاصة وأن رأس المال المستخدم في الإنتاج قد لا يدور سوى مرة واحدة فقط خلال العام. ولا يتوقف الضرر عند حدود السوق المحلية، بل يمتد ليضعف قدرة المنتج الطبي والدوائي المصري على المنافسة السعرية في الأسواق التصديرية العربية والأفريقية، سيما وأن هذه التكلفة التمويلية تتزامن مع أعباء أخرى تتمثل في تقلبات سعر الصرف وتكاليف الشحن والطاقة.
ومن المنظور المصرفي، لا يعكس التحفظ في منح الائتمان تراجعاً عن دعم القطاع الطبي أو تقليلاً من أهميته القومية، بل يعكس التزاماً صارماً بقواعد إدارة المخاطر. فالبنوك في النهاية لا تمول “أهمية القطاع” بحد ذاتها، بل تمول قدرة المشروع وتدفقاته النقدية على خدمة الدين بانتظام. ويتسم قطاع الدواء بضبابية نسبية في التدفقات النقدية والمخاطر التشغيلية العالية بسبب اعتماده الكثيف على الاستيراد، وتأثر تكاليفه بتذبذب العملة، فضلاً عن طبيعة التسعير الجبري للمنتجات. يضاف إلى ذلك أن العديد من كيانات هذا القطاع تفتقر إلى القوائم المالية المدققة والحوكمة الفعالة، مما يقلل من جدارتها الائتمانية ويجعل دراسة ملفاتها أكثر تعقيداً بالنسبة لمسؤولي الائتمان.
وللخروج من هذا المأزق الهيكلي وتحويل فجوة التمويل إلى فرصة للنمو، تبرز الحاجة الماسة لتدخلات مشتركة ومتكاملة. فعلى القطاع المصرفي أن يبتكر برامج تمويلية متخصصة تراعي الطبيعة الزمنية للصناعة الطبية، بحيث تشمل آجالاً أطول لتمويل الأصول الرأسمالية وفترات سماح تتوافق مع دورة التركيب والإنتاج والتحصيل. وعلى مستوى الدولة، يمكن التوسع في نماذج الشراكة مع القطاع الخاص بحيث تساهم الدولة بالأصول العينية كالأراضي، مما يرفع عن كاهل المستثمر عبء التكلفة التأسيسية ويتيح له توجيه كامل سيولته نحو التشغيل وتطوير الإنتاج. أما على صعيد الشركات ذاتها، فبات لزاماً عليها التوجه نحو الاندماج لتكوين كيانات مالية قوية قادرة على استيعاب تكلفة الاقتراض، مع الالتزام التام برفع جودة الإفصاح المالي وتطبيق معايير الحوكمة لتقديم نماذج أعمال واضحة ومقنعة قادرة على جذب التمويلات المصرفية اللازمة لدعم خطط التوطين والاكتفاء الذاتي.



