غموض الدولار يجبر المطورين العقاريين على “التحوط السعري”
تدخل شركات التطوير العقاري، مرحلة جديدة من إعادة حسابات التكلفة والتسعير، مع تحركات سعر الصرف ودوران الدولار حول مستوي 56 جنيهًا، ما يزيد من ارتفاع المخاطر المرتبطة بتكلفة مواد البناء والتوريد والمقاولات.
وتتجاوز التحديات الحالية مجرد احتمالات زيادة أسعار الوحدات، لتشمل قدرة المطورين على امتصاص جانب من ارتفاعات التكلفة، في وقت قد يؤدي فيه تمرير الزيادات بالكامل للعملاء ، إلى تراجع معدلات البيع نظرا لضعف القدرة الشرائية.
ويرى خبراء ومتعاملون بالقطاع أن استمرار تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف مواد البناء، يضع الشركات أمام تحديات متزايدة في تحديد أسعار الوحدات الجديدة، خاصة مع صعوبة التوفيق بين تمرير الزيادات في تكلفة التنفيذ والحفاظ على مستويات أسعار تتناسب مع القدرة الشرائية للعملاء.
وأشاروا إلى أن الضغوط الحالية لن تقتصر على مراجعة القوائم السعرية، بل ستمتد إلى خطط طرح المشروعات الجديدة والتوسعات وأنظمة السداد، في ظل مخاوف من أن تؤدي المبالغة في التحوط ورفع الأسعار إلى تراجع المبيعات وتباطؤ التدفقات النقدية.
سعدالدين: المطورون مطالبون بتجنب المبالغة في التحوط لمواكبة تغيرات السوق
قال أسامة سعد الدين، الخبير العقاري، إن تجاوز سعر الدولار مستوى 55 جنيهًا يضع الشركات أمام تحديات جديدة، في ظل صعوبة التنبؤ باتجاهات سعر الصرف خلال الفترة المقبلة، وما يترتب عليها من تغيرات في تكلفة تنفيذ المشروعات.
أضاف أن المطورين اعتمدوا خلال الفترة الماضية على سياسات التحوط لمواجهة تقلبات سعر الصرف.. إلا أن استمرار ارتفاع الدولار خلال العام المقبل قد يحد من قدرتهم على امتصاص الزيادات، ويدفعهم إلى إعادة تسعير الوحدات العقارية مره أخري.
وأوضح أن الشركات تواجه معادلة صعبة بين رفع الأسعار بما يتناسب مع الزيادات المحتملة في التكلفة، وبين الحفاظ على القدرة الشرائية للعملاء، مشيراً إلى أن المبالغة في التحوط ورفع الأسعار قد تؤدي إلى تراجع المبيعات، خاصة أن معدلات البيع تعاني بالفعل من ضغوط.
وأشار سعد الدين إلى أن حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية تزيد صعوبة اتخاذ قرارات التسعير، مرجحا تباطؤ الشركات في طرح مراحل جديدة من مشروعاتها لحين اتضاح الرؤية بشأن اتجاهات سعر الصرف.
ولفت إلى أن طرح وحدات جديدة بالأسعار القديمة ينطوي على مخاطر بالنسبة للمطورين حال استمرار ارتفاع الدولار، في حين أن رفع الأسعار بصورة مبالغ فيها قد يؤدي إلى فقدان شريحة من العملاء، ما يجعل قرارات التسعير خلال المرحلة المقبلة بحاجة إلى دراسات اقتصادية أكثر دقة.
أكد سعدالدين، أن قدرة الشركات على تحمل الزيادات تختلف بحسب حجم المطور ومركزه المالي ومعدلات التشغيل لديه، موضحاً أن الشركات الكبرى تمتلك قدرة أكبر على امتصاص جانب من ارتفاعات التكلفة مقارنة بالمطورين الصغار، الذين قد يضطر بعضهم إلى تأجيل التوسعات أو إبطاء التنفيذ لتجنب تحمل أعباء إضافية.
وأضاف أن طبيعة النشاط العقاري، الذي تمتد دورة تنفيذ مشروعاته إلى نحو 3 سنوات، تجعل تحمل زيادات التكلفة لفترات طويلة مخاطرة كبيرة، خاصة إذا استمرت تحركات سعر الصرف دون قدرة المطور على تمرير الزيادة إلى العملاء.
وشدد على ضرورة تجنب المطورين المبالغة في التحوط عند تسعير الوحدات، مع أهمية طرح المراحل البيعية على دفعات محدودة ومتعددة، بما يسمح للشركات بمتابعة تطورات السوق وتعديل خططها وفقاً لمتغيرات التكلفة والطلب.
كما نصح المطورين بالاستعانة بمكاتب استشارية متخصصة لدراسة المتغيرات الاقتصادية وتقييم تكلفة المشروعات قبل اتخاذ قرارات الطرح والتسعير، محذراً من التوسع في أعمال التشطيبات النهائية في ظل اعتماد نسبة كبيرة من مدخلاتها على المنتجات المستوردة، وتأثرها المباشر بتحركات الدولار.
وعلى صعيد العملاء، دعا إلى عدم التسرع في شراء الوحدات بدافع التحوط من انخفاض قيمة الجنيه أو الخوف من زيادات الأسعار، موضحاً أن ارتفاع أسعار إعادة البيع لا يعني بالضرورة وجود طلب فعلي يسمح بتسييل الوحدة وتحقيق مكاسب منها.
سويدة: تكاليف البناء وسعر الصرف يهددان بزيادات جديدة في الأسعار خلال 2027
وقال وليد سويدة، رئيس لجنة الاستشارات الهندسية بجمعية رجال الأعمال المصريين، إن شركات التطوير العقاري قد تتجه إلى مراجعة قوائم أسعار المراحل الجديدة من مشروعاتها بشكل استباقي، تحوطا من الارتفاعات المحتملة في تكاليف التوريد والمقاولات، في ظل تقلبات سعر الصرف.
أضاف أن قرارات التسعير يجب ألا تعتمد على تحركات سعر الدولار وحدها وإنما على مراجعة التكلفة المتبقية لتنفيذ المشروع والالتزامات التعاقدية والتدفقات النقدية المتوقعة، موضحًا أن ارتفاع سعر الصرف لا يستدعي بالضرورة زيادة فورية ومماثلة في أسعار الوحدات العقارية.
وأوضح سويدة أن العلاقة بين زيادة تكلفة إنشاء المتر المربع والزيادة في سعر بيعه ليست ثابتة، إذ يتأثر السعر النهائي بعوامل متعددة تشمل تكلفة الأرض والمرافق والتمويل والتسويق والمصروفات الإدارية إلى جانب هامش الربح المستهدف من المشروع.
ولفت إلى إمكانية ارتفاع أسعار الوحدات بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية في تكاليف الإنشاء في بعض الحالات، نتيجة احتساب المطورين للتكاليف المستقبلية المتوقعة على مدار فترات التنفيذ، فضلًا عن أعباء التمويل ومخاطر تقلب أسعار مواد البناء وتكلفة الفرصة البديلة لرأس المال.
لكنه شدد على ضرورة التمييز بين الزيادات التي تستند إلى تكاليف ومخاطر فعلية، وتلك التي تعتمد على توقعات غير مؤكدة، مشيرًا إلى أن قدرة الشركات على تمرير الزيادات إلى العملاء ترتبط أيضًا بمستويات الطلب والقدرة الشرائية وتوافر البدائل المنافسة.
قال سويدة إن استمرار ارتفاع تكاليف التنفيذ بالتزامن مع تباطؤ المبيعات وضعف القدرة الشرائية قد يدفع بعض المطورين إلى تحمل جزء من الزيادات من هوامش أرباحهم، بدلا من تحميلها بالكامل للمشترين والمخاطرة بتراجع المبيعات والتدفقات النقدية.
وتوقع أن تعيد شركات التطوير العقاري تقييم أنظمة السداد خلال الفترة المقبلة في ظل الضغوط التي تفرضها فترات التقسيط الطويلة على التدفقات النقدية خاصة مع ارتفاع تكاليف التنفيذ والتمويل، مشددًا على أهمية توفير بدائل سداد وتمويل متنوعة تتناسب مع القدرات المالية الفعلية للعملاء بدلا من الاعتماد على نظام موحد لمختلف الشرائح.
وتوقع سويدة أن يشهد السوق العقاري المصري خلال عام 2027 مرحلة من إعادة التوازن، مشيرا إلي أن المنافسة بين الشركات لن تعتمد فقط على حجم المشروعات أو عدد سنوات التقسيط، وإنما ستتزايد أهمية قدرة المطور على الالتزام بمواعيد التسليم والحفاظ على جودة المنتج وتعزيز ثقة العملاء.
وأشار إلى تعرض الأسعار لضغوط صعودية خلال 2027 إذا تواصلت تقلبات سعر الصرف وارتفعت تكاليف مواد البناء والتمويل .. لكن الزيادات لن تكون بالضرورة متساوية بين المناطق والمشروعات، في ظل اختلاف هياكل التكلفة ومستويات الطلب.
لقمة: استقرار الدولار عند 55 و56 جنيهًا يحصر زيادة تكلفة البناء بين 3 و4%
وقال محمد لقمة، رئيس مجلس إدارة شركة ديتيلز للمقاولات، إن تحركات سعر الدولار تفرض حالة من الترقب على القطاع العقاري وقطاع المقاولات، في ظل صعوبة تحديد التكلفة النهائية للمشروعات قبل اتضاح اتجاه سعر الصرف واستقراره عند مستوى محدد.
أضاف أن الشركات لا تستطيع الالتزام بتسعير واضح في ظل استمرار تحرك الدولار، موضحا أن تأثير الزيادة الحالية لن يتضح بصورة كاملة إلا بعد استقرار سعر الصرف، وهو ما يحدد حجم الزيادة المحتملة في أسعار مواد البناء وتكلفة تنفيذ المشروعات.
وأشار لقمة إلى أن المكون الدولاري يمثل نحو 40% من تكلفة مواد البناء، ما يجعل قطاع المقاولات عرضة للتأثر بأي تحركات جديدة في سعر الصرف، خاصة مع اعتماد بعض مدخلات الإنتاج على الاستيراد.
وأوضح أن تجاوز الدولار مستوى 60 جنيهًا قد يضغط على تكلفة التنفيذ، لافتا إلى أن ارتفاع المكونات المرتبطة بالدولار بنسبة تتراوح بين 15% و20% قد ينعكس على التكلفة الإجمالية بزيادة تتراوح بين 7% و8% تقريباً.
في المقابل، توقع لقمة أن تظل الزيادة محدودة إذا استقر سعر الدولار عند مستويات تتراوح بين 55 و56 جنيهاً، مرجحاً ألا تتجاوز الزيادة في هذه الحالة 3% إلى 4%.
وأكد أن شركات المقاولات تختلف في قدرتها على التعامل مع تغيرات التكلفة بحسب طبيعة المشروعات، موضحا أن الشركات التي تدرس تنفيذ مشروعات جديدة تحتسب عروضها وفقا للأسعار الجديدة للمواد ومدخلات التنفيذ، بينما تواجه المشروعات القائمة قيودا تحد من إمكانية تعديل الأسعار بعد التعاقد.
أضاف أن مراجعة تكلفة المشروعات القائمة ترتبط بالتعديلات التي تعكسها نشرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والنشرات الدورية لوزارة الإسكان، والتي يستند إليها في احتساب التغيرات السعرية ذات الصلة.
وأشار لقمة، إلى أن قطاع المقاولات استوعب بالفعل جانباً من الزيادات السابقة في التكلفة، مع استمرار حالة الترقب لحين اتضاح مسار الدولار، مؤكدا أن تجاوز مستوى 60 جنيهاً قد يفرض ضغوطاً إضافية على الشركات خلال الفترة المقبلة.
وأوضح أن تحركات الدولار قد تدفع الشركات إلى إعادة تقييم أسعار الوحدات الجديدة، لكنه ربط تحديد حجم الزيادة باستقرار سعر الصرف وظهور أثره الفعلي على تكاليف التنفيذ، في ظل ما شهده السوق خلال الفترة الماضية من ارتفاع أسعار البيع.



