تتجه البنوك إلى تبني سياسات “التسعير التفاضلي” للمنتجات المصرفية، في ظل ما تشهده البيئة الاقتصادية من تقلبات متزايدة وارتفاع مستويات عدم اليقين.
ويجري التمييز بين العملاء والقطاعات المختلفة وفقًا لدرجة المخاطر الائتمانية والعائد المتوقع من كل نشاط، رغم استقرار الأوضاع الاقتصادية محليًا وتراجع تكلفة الإقراض وتباطؤ معدلات التضخم.
وحاليا.. لا تعتمد قرارات التسعير فقط على الخصائص الفردية للعميل، مثل الجدارة الائتمانية أو التاريخ المالي، بل أصبحت تمتد لتشمل طبيعة القطاع الاقتصادي نفسه، ومدى قدرته على توليد تدفقات نقدية منتظمة ومستقرة تضمن الوفاء بالالتزامات في مواعيدها، وتحد من احتمالات التعثر.
قال محمد عبد العال، الخبير المصرفي، عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي، إن طبيعة العمل المصرفي تقوم بشكل أساسي على الدراسة الجيدة للمخاطر، مشيرًا إلى أن جميع القطاعات التي تمولها البنوك تتضمن مخاطر، مع اختلاف درجتها من قطاع لآخر.
أضاف أن اتفاقيات بازل 1 و2 و3 تهدف إلى الحد من المخاطر وحماية الجهاز المصرفي محليًا ودوليًا، مضيفًا أن المعيار الدولي المالي يفرض على البنوك أخذ مخصصات كمية ونوعية تجاه المخاطر المحتملة في المستقبل، وليس فقط المخاطر التي وقعت بالفعل، ما يجعل إدارة المخاطر مقبولة ومتوازنة.
واتفاقيات بازل، هي معايير دولية وضعتها لجنة بازل للرقابة المصرفية لتعزيز سلامة النظام المالي عبر تحديد حد أدنى لرأس مال البنوك عند 8%، وإدارة المخاطر الائتمانية والتشغيلية والسوقية، بهدف تفادي الأزمات المالية من خلال تعزيز السيولة والرسملة.
أما المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 9 (IFRS 9) فيُعتبر معيارًا محاسبيًا شاملا للأدوات المالية، ودخل حيز التنفيذ عام 2018، ويعمل على تحديد أسس تصنيف وقياس الأصول والالتزامات المالية، ويفرض نموذجاً جديداً للخسائر الائتمانية المتوقعة لخفض قيمتها.
أوضح عبد العال، أن احتساب المخاطر يتم بتحليل ودراسة العميل والمنتج والقطاع والبنك والجهاز المصرفي ككل، من خلال منهجية المخاطر المحتملة المتوقعة، مشيرًا إلى أن تحديد متوسط لدرجة المخاطر في القطاع الصناعي تحديدا لا ينفي حقيقة أن جميع القطاعات لديها مخاطر.
أضاف أن البنك المركزي يحدد للبنوك النظامية الأكبر معدلات المخاطر المرجحة ومتطلبات رأس المال، لأن البنوك الأكبر حجمًا ليست بالضرورة الأقل مخاطرة.
وأوضح أن كل عميل يبدأ بفتح حساب جاري، ثم يحصل على تسهيلات وائتمانات واعتمادات مستندية، وكل خطوة في هذه العملية تحمل درجة من المخاطر.
أشار عبدالعال، إلى أن كل بنك يخضع لمحددات التركز القطاعي التي يحددها “المركزي”، ولا يمكن للبنك أن يزيد تمويل قطاع معين عن نسبة محددة، سواء كان صناعيًا أو زراعيًا أو عقاريًا، وإلا سيطلب “المركزي” تصحيح الوضع وقد يفرض عقوبات مالية.
أضاف أن مجلس إدارة كل بنك يتابع مؤشرات شهية البنك للمخاطر لكل عميل ولكل قطاع، بالإضافة إلى سرعة انتشارها والحد الأقصى للمخاطر المسموح بها، بما يحكم توجه البنك في تمويل القطاعات المختلفة.
وأوضح أن التمويل في القطاع الخدمي قد يكون أسرع في تحقيق العوائد مقارنة بالصناعي، لكنه لا يعني أن البنوك تتجنب القطاعات الأخرى.
وأضاف: “لا يوجد بنك يتخصص في أي قطاع، سواء الصناعي أو الزراعي أو العقاري، فكل البنوك مفتوحة على كافة الأنشطة”.
أكد عبد العال، أن اختيار القطاع للعمل فيه يرتبط بالعائد المتوقع والقيود التنظيمية، وليس بالمخاطر وحدها، مؤكّدًا أن المخاطر جزء أساسي من العمل المصرفي ولا يمكن الاستغناء عنها.
وارتفع إجمالي أرصدة محفظة القروض لدى القطاع المصرفي إلى 9.53 تريليون جنيه بنهاية أغسطس 2025، مقابل 9.35 تريليون جنيه في يوليو، بزيادة 174 مليار جنيه، ومعدل نمو بلغ نحو 1.9%.
أبو الخير: البنوك تتبع نهجًا انتقائيًا في تمويل القطاع الصناعي
وقال أحمد أبو الخير، الخبير المصرفي، إن مستوى المخاطر لأي قطاع أو منتج لا يمكن تصنيفه بشكل مطلق، بل يتحدد وفق مجموعة عوامل تشمل الظروف الاقتصادية العامة، وهيكل التمويل، وجودة العميل، وطبيعة التدفقات النقدية المتوقعة.
أضاف أن التسعير التفاضلي ليس مجرد أداة تسويقية، بل آلية لإدارة المخاطر وتعظيم العائد، حيث تعيد البنوك توجيه محافظها الائتمانية نحو القطاعات والمنتجات الأكثر أمانًا، مع تحميل الأنشطة الأعلى مخاطرة تكلفة تمويل أكبر أو تقليص الانكشاف عليها، لتحقيق توازن بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على جودة الأصول واستدامة الربحية في بيئة عالية عدم اليقين.
وتابع أن البنوك في ظل البيئة الاقتصادية الحالية المتقلبة وارتفاع مستويات عدم اليقين، تتجه إلى اعتماد سياسات تسعير تفاضلي للمنتجات المصرفية.
وهذه السياسات تقوم على التمييز بين العملاء والقطاعات وفقًا للمخاطر الائتمانية والعائد المتوقع من كل نشاط.
أكد أبو الخير، أن قرارات التسعير لم تعد تعتمد فقط على خصائص العميل الفردية، مثل الجدارة الائتمانية أو التاريخ المالي، بل تشمل أيضًا طبيعة القطاع الاقتصادي وقدرته على توليد تدفقات نقدية منتظمة تضمن الوفاء بالالتزامات وتقليل احتمالات التعثر.
وأشار إلى أن القطاع العقاري يُتعامل معه بدرجة من الحذر، رغم كبر حجمه وأهميته النسبية للاقتصاد الكلي.
وأوضح أن طبيعة التمويل العقاري طويلة الأجل، وارتفاع أسعار الوحدات مقارنة بالدخل والقوة الشرائية، إلى جانب وجود مخزون غير مباع في بعض الشرائح، كلها عوامل تزيد المخاطر الائتمانية.
أضاف أن تباطؤ الطلب الفعلي وتأثر قرارات الشراء بتكلفة التمويل المرتفعة خلال الفترات السابقة ينعكس سلبًا على وضوح واستقرار التدفقات النقدية المتوقعة للمطورين العقاريين.
ووصف أبو الخير القطاع الصناعي بأنه يمثل حالة وسط تجمع بين الفرص التنموية والمخاطر التشغيلية.
وأوضح أن هذا القطاع يُعد أحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي، وتوليد فرص العمل، وزيادة الصادرات، ويحظى بدعم الدولة في إطار سياسات تعميق التصنيع والإحلال محل الواردات.
وتابع:” البنوك تتبع نهجًا انتقائيًا في تمويل القطاع الصناعي، مع التركيز على المشروعات القائمة ذات السجل التشغيلي الواضح أو الصناعات الموجهة للتصدير، مع تحميل هذه الأنشطة تكلفة تمويل أعلى تعكس مستوى المخاطر مقارنة بالقطاعات الخدمية”.
أوضح أبو الخير أن البنوك تميل إلى التوسع النسبي في تمويل القطاعات الخدمية والتجارية التي تتميز بدورات تشغيل قصيرة وقدرة أعلى على توليد تدفقات نقدية منتظمة، مثل الاتصالات والخدمات اللوجستية والتجارة الداخلية، إلى جانب أنشطة التعليم والصحة في صورتها التشغيلية.
وأكد أن هذه القطاعات توفر مستوى أعلى من اليقين فيما يتعلق بالسداد، ما يسمح للبنوك بتحقيق عائد مستقر مع مخاطر أقل، بما يتوافق مع استراتيجيات التسعير التفاضلي من خلال منح أسعار فائدة وشروط تمويل أكثر تنافسية.
كما أن قروض السيارات تتسم بحساسية عالية للأوضاع الاقتصادية، كونها مرتبطة بالإنفاق الاستهلاكي الذي يتراجع سريعًا في فترات الضغوط المالية.
وتطرق أبو الخير إلى القروض التعليمية، مشيرًا إلى أن بعض البنوك تتعامل معها بحذر نتيجة ضعف الضمانات المباشرة وارتباط السداد بالدخل المستقبلي للعميل، وهو دخل قد يكون غير مستقر في ظل تقلبات سوق العمل.
النعماني: “العقاري” يُعد الأكثر مغامرة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة
وقال أحمد النعماني، الخبير المصرفي، إن البنوك لا تتجنب منتجًا بعينه بشكل مطلق، لكنها تتحفظ بشدة في بعض المنتجات أو تتعامل معها بشروط أكثر صرامة وتسعير أعلى، نتيجة ارتفاع مستوى المخاطر المرتبطة بها.
وأكد النعماني أنه لا يوجد منع كامل لهذه المنتجات، إلا أن البنوك تميل إلى تقليص أحجامها أو تشديد شروطها أو تسعيرها بعلاوة مخاطر أعلى، مقارنة بالمنتجات قصيرة الأجل أو المدعومة بضمانات قوية وتدفقات نقدية واضحة.
وتابع أن القطاع العقاري يُعد حاليًا الأكثر مغامرة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، نتيجة تداخل عدد من العوامل، في مقدمتها طول مدد السداد وارتفاع أسعار الوحدات مقارنة بالقدرة الشرائية، إلى جانب تباطؤ حركة المبيعات داخل بعض الشرائح.
وأوضح أن هذه العوامل تؤدي إلى ضبابية التدفقات النقدية للمشروعات، كما تزيد من احتمالات تعرض قيمة الضمانات للضغط في حال حدوث تصحيح سعري في السوق.
وأشار النعماني إلى أن القطاع الصناعي يحظى بنوع من التفاوت في درجة المخاطرة، والتي تختلف من نشاط لآخر، لافتًا إلى أن الصناعات كثيفة رأس المال أو المعتمدة بشكل كبير على مدخلات مستوردة تواجه تحديات أكبر، خاصة في ظل ارتفاع الأراضي والمرافق وتعقيدات التراخيص وتقلب الخامات.
في المقابل، أوضح أن الصناعات التصديرية أو التي تعتمد على عقود توريد مستقرة تُعد أقل مخاطرة نسبيًا.
كما أشار إلى أن تمويل المشروعات المعتمدة على الاستيراد المكثف يواجه تحفظات إضافية، بسبب مخاطر سعر الصرف وتذبذب توافر العملة الأجنبية وارتفاع تكلفة المدخلات.
وأشار النعماني إلى أن القروض غير المضمونة، خصوصًا الشخصية ذات القيم الكبيرة، تُعد من المنتجات عالية المخاطر لاعتمادها الأساسي على دخل العميل واستقراره الوظيفي، ما يجعلها أكثر عرضة للتعثر مقارنة بالمضمونة.
وأضاف أن قروض السيارات، خاصة المستعملة خلال الفترات التي تشهد ارتفاعًا سريعًا، تواجه تحفظًا مصرفيًا بسبب تناقص قيمة الضمان بمرور الوقت، واحتمال عدم تغطيتها لرصيد المديونية في حال التعثر.
ولفت إلى أن القروض التعليمية تُعد من المنتجات مرتفعة المخاطر نسبيًا في حال غياب ضامن قوي أو مصدر دخل واضح للسداد، نظرًا لعدم ضمان تحقيق عائد من التعليم على المدى القصير.



