عاجل

حسين عبدربه يكتب: القطاع العام فى مصر.. بين مشروع الدولة ومأزق السوق

أتيحت لى مؤخراً فرصة المشاركة فى ندوة لمناقشة كتاب الزميلة الكاتبة الصحفية إيمان مطر بمجلة روزاليوسف، والذى يحكى عن القطاع العام فى مصر منذ عهد محمد على وحتى الآن.. بمشاركة أساتذة وزملاء أفاضل. والكتاب لا يقدم سرداً تاريخياً فحسب؛ بل يضع القطاع العام فى قلب معركة الأفكار حول التنمية، والسيادة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية. ومن خلال تتبع مسيرة تمتد لأكثر من قرنين، تكشف الكاتبة أن قصة القطاع العام المصرى هى فى جوهرها قصة الدولة ذاتها.

ويعود الكتاب بالبداية إلى عهد محمد على باشا؛ حيث تشكلت النواة الأولى لفكرة تدخل الدولة المباشر فى النشاط الاقتصادى. لم يكن الأمر خياراً أيديولوجياً بقدر ما كان ضرورةً لبناء دولة حديثة قادرة على تمويل جيش، وإنشاء بنية صناعية، والتحرر النسبى من الهيمنة العثمانية والأوروبية.

فقد احتكرت الدولة الزراعة، والتجارة، والصناعة، وأقامت مصانع للنسيج والسلاح، وفرضت نظاماً إدارياً مركزياً صارماً.

كانت هذه التجربة أقرب إلى «رأسمالية الدولة» منها إلى اقتصاد السوق. لكنها وضعت الأساس لفكرة أن الدولة ليست مجرد حكم؛ بل فاعل اقتصادى رئيسى.

غير أن هذا النموذج لم يصمد طويلاً. فمع تعاظم الديون، ثم الاحتلال البريطانى عام 1882، تراجعت قبضة الدولة الإنتاجية لصالح رأس المال الأجنبى. وهنا يبدأ فصل جديد من الحكاية.

اقتصاد تحت الهيمنة.. ورأسمالية مشروطة

خلال الحقبة الاستعمارية، أصبح الاقتصاد المصرى أكثر ارتباطاً بتصدير المواد الخام، خصوصاً القطن، وأقل اهتماماً ببناء قاعدة صناعية وطنية.

سيطر رأس المال الأجنبى على قطاعات البنوك، والتأمين، والمرافق الحيوية. صحيح أن طبقة من الرأسماليين المصريين بدأت فى الظهور، لكنها ظلت محدودة التأثير.

وتقرأ الكاتبة هذه المرحلة باعتبارها لحظة «اختلال فى السيادة الاقتصادية»، وهو اختلال سيتحول لاحقاً إلى مبرر سياسى وأخلاقى لمشروع التأميم فى خمسينيات القرن العشرين. ففكرة استعادة السيطرة على مقدرات الاقتصاد كانت جزءاً من خطاب وطنى أوسع.

عبد الناصر.. ذروة القطاع العام ومشروع العدالة

ثم تمثل مرحلة الرئيس جمال عبدالناصر الذروة التاريخية للقطاع العام فى مصر. فبعد ثورة يوليو 1952، تبنت الدولة نموذجاً اشتراكيّاً قائماً على التخطيط المركزى، وتأميم البنوك والشركات الكبرى، وتوسيع ملكية الدولة لوسائل الإنتاج. وتحول القطاع العام إلى العمود الفقرى للاقتصاد الوطنى.

وأنشئت مصانع الحديد والصلب، ومجمعات الألومنيوم، وشركات الغزل والنسيج، وشركات النقل والطاقة. لم يكن الهدف اقتصادياً بحتاً، بل اجتماعياً أيضاً: خلق فرص عمل واسعة، وتوسيع الطبقة الوسطى، وتوزيع أكثر عدالة للثروة.

لكن النموذج حمل فى داخله تناقضاته. فالمركزية الشديدة، والبيروقراطية، وغياب الحوافز التنافسية، أضعفت الكفاءة بمرور الوقت. ومع تصاعد الأعباء المالية على الدولة، بدأ النظام يواجه حدود قدرته على الاستمرار بذات الزخم.

الانفتاح… تحوُّل فى الفلسفة قبل أن يكون فى السياسات

ومع تولى الرئيس أنور السادات الحكم، تغيرت الفلسفة الاقتصادية جذرياً.

فقد أعلنت سياسة «الانفتاح الاقتصادى» فى السبعينيات، وتم تشجيع الاستثمارات الخاصة والأجنبية. لم يعد القطاع العام هو المحرك الوحيد للتنمية؛ بل أصبح أحد اللاعبين فى ساحة أوسع.

ثم بدأت الدولة فى تقليص استثماراتها المباشرة فى بعض القطاعات، مع الاحتفاظ بقطاعات إستراتيجية. كان الخطاب الرسمى يتحدث عن الكفاءة وجذب رؤوس الأموال، ودمج الاقتصاد المصرى فى النظام العالمى، لكن الانفتاح لم يكن انتقالاً سلساً. ذلك أنَّ القطاع العام ظلَّ مثقلاً بأعباء هيكلية، فى وقت لم يكن فيه القطاع الخاص قادراً بعد على ملء الفراغ بالكامل.

وهنا دخلت مصر عقد الثمانينيات وسط ضغوط مالية متزايدة.

الخصخصة… الإصلاح أم التفريط؟

وفى التسعينيات، فى عهد الرئيس حسنى مبارك، أطلقت الحكومة برنامجاً واسعاً للخصخصة فى إطار إصلاح اقتصادى مدعوم من مؤسسات مالية دولية؛ إذ بيعت عشرات الشركات العامة، أو طُرِحت حصصٌ منها فى البورصة، أو أعيدت هيكلتها.

الهدف المعلن كان تخفيف العبء عن الموازنة، ورفع الكفاءة، وجذب استثمارات جديدة. لكن الجدل كان واسعاً. فقد اتهم منتقدون البرنامج بأنه أدى إلى بيع أصول الدولة بأقل من قيمتها، وإلى تسريح عمالة، وإلى تراجع الدور الاجتماعى للدولة.

ويتناول الكتاب هذه المرحلة دون انحياز صريح، لكنه يطرح أسئلة حادة: هل كانت المشكلة فى الملكية العامة ذاتها، أم فى سوء الإدارة؟ هل عالجت الخصخصة جذور الخلل، أم نقلت الملكية دون إصلاح حقيقى فى الحوكمة؟

بعض الشركات التى خُصخِصت شهدت تحسناً فى الأداء، بينما تعثرت أخرى أو أغلقت. وهو ما يعكس أن التحول من «عام» إلى «خاص» ليس ضمانة تلقائية للنجاح.

هى عودة الدولة… ولكن بشروط مختلفة

فى العقد الأخير، ومع تصاعد الأزمات العالمية ـ من الأزمة المالية إلى جائحة كورونا ـ عاد دور الدولة اقتصادياً إلى الواجهة عالمياً. حتى الاقتصادات الليبرالية تدخلت لدعم الشركات والقطاعات الحيوية. وبرز اتجاه لإعادة هيكلة شركات القطاع العام بدلاً من تصفيتها، مع طرح بعض الحصص للشراكة مع القطاع الخاص.

لم يعد الخطاب يدور حول الانسحاب الكامل أو «السيطرة الكاملة»، بل حول الشراكة، وإعادة تعريف الأدوار.

وتشير قراءة الكتاب إلى أن التجربة المصرية باتت أقرب إلى نموذج مختلط، تحاول فيه الدولة الاحتفاظ بقطاعات إستراتيجية؛ مثل: الطاقة، والبنية التحتية، مع فتح المجال أمام الاستثمار الخاص فى مجالات أخرى.

ما بين الأيديولوجيا والبراغماتية

أحد أهم إسهامات الكتاب هو تفكيك الفكرة القائلة بأن النقاش حول القطاع العام نقاش أيديولوجى صرف.

فالتجربة المصرية تظهر أن التحولات لم تكن نتيجة أفكار نظرية فقط؛ بل استجابة لضغوط مالية، ومتغيرات دولية، وتوازنات سياسية داخلية.

حين كانت الدولة فى حاجة إلى تعبئة الموارد سريعاً لبناء مشروع قومى، توسع القطاع العام. وحين واجهت ضغوط ديون وعجز مزمن اتجهت نحو الخصخصة. وحين تغيرت الظروف الدولية، عادت لتعيد تقييم دورها.

بهذا المعنى، فإنَّ القطاع العام لم يكن كياناً ثابتاً، بل مرآة لتحولات الدولة المصرية نفسها.

سؤال الكفاءة.. وسؤال العدالة

يبقى التحدى المركزى الذى يطرحه الكتاب هو كيفية التوفيق بين الكفاءة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية؛ فالقطاع العام ارتبط تاريخياً بوظيفة اجتماعية: التوظيف الواسع، وتوفير السلع بأسعار مدعومة، وتحقيق قدر من المساواة.

لكن هذه الوظيفة قد تتعارض أحياناً مع اعتبارات الربحية والكفاءة. فى المقابل يركز القطاع الخاص على تعظيم الأرباح، ما قد يترك فجوات اجتماعية إذا لم تتدخل الدولة بالتنظيم والرقابة.

التجربة المصرية، كما يعرضها الكتاب تكشف أن الحل لا يكمن فى الانحياز الكامل لأحد الطرفين، بل فى بناء منظومة حوكمة قوية، ومؤسسات قادرة على إدارة الأصول العامة بكفاءة وشفافية.

قراءة نقدية

يمتاز الكتاب بتتبعه التاريخى المتسلسل، واعتماده على وثائق وأحداث مفصلية، ما يمنحه ثقلاً توثيقياً مهماً. كما ينجح فى ربط التحولات الاقتصادية بالسياق السياسى والاجتماعى الأوسع.

غير أن بعض القراء قد يتطلعون إلى تحليل أعمق بالأرقام، خاصة فيما يتعلق بمؤشرات الربحية، والإنتاجية، ونسب مساهمة القطاع العام فى الناتج المحلى عبر الفترات المختلفة. فالإحصاءات المقارنة كانت ستعزز الطابع التحليلى للنص. ومع ذلك، يظل الكتاب مساهمة مهمة فى نقاش عام يتجاوز حدود الأكاديميا، ليمس صلب الخيارات الاقتصادية التى تواجه مصر اليوم.

الخلاصة.. ما بعد الثنائية فى النهاية، يخرج القارئ بانطباع أن معركة عام أم خاص هى معركة مبسطة أكثر من اللازم. فالتجربة المصرية عبر محمد على، وعبدالناصر، والسادات، ومبارك، أظهرت أن دور الدولة فى الاقتصاد يتغير بتغير الظروف، لكنه لا يختفى. فالقطاع العام فى مصر لم يكن خطأ تاريخياً، كما لم يكن حلاً سحرياً دائماً، وإنما كان أداة، نجحت حين توافرت لها إدارة رشيدة ورؤية واضحة، وتعثر حين طغت البيروقراطية، وغابت المساءلة. ويبقى السؤال المطروح اليوم: كيف يمكن صياغة نموذج اقتصادى يحقق النمو دون أن يفرط فى العدالة، ويعزز الكفاءة دون أن يتخلى عن الدور الاجتماعى للدولة؟

كتاب «القطاع العام فى مصر» لا يقدم إجابة نهائية، لكنه يضع أمامنا التاريخ بكل تعقيداته، ويترك للقارئ مهمة التفكير فى المستقبل.

الكتاب إضافة كبيرة ومهمة للمكتبة الاقتصادية ولكل الباحثين والعاملين فى المجال الاقتصادى.. تحية تقدير وإعزاز للزميلة إيمان مطر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى